فخر الدين الرازي

155

الأربعين في أصول الدين

ولا شكلا ، ولا مكانا ، ولا حيزا . فثبت بمجموع هذه الوجوه : أن أن العقل من حيث إنه هو ، لا يستبعد تصور معقول حال ما لا يعتبر له مكانا ولا جهة ولا قدرا ولا شكلا . فثبت : أن العلم بما تناع هذا الموجود ليس من العلوم البديهية . المقدمة الثانية : ان مرادنا بقولنا : ان الشيء الفلاني مختص بالمكان والجهة ، أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية بأنه هنا أو هناك . ولا شك أن العالم في المكان والجهة بهذا التفسير ، فلو كان الباري تعالى مختصا بالمكان والجهة بهذا التفسير ، لم يخل الحال من أحد أمرين . وهو اما أن يكون الباري تعالى مماسا للعالم ، أو محاذيا له . فأما أن يكون الباري تعالى مشارا إليه بحسب الحس بأنه هنا أو هناك ، مع أنه لا يكون مماسا للعالم ولا محاذيا له فهذا غير معقول . المقدمة الثالثة : ذهب السواد الأعظم من العقلاء إلى أنه تعالى منزه في وجوده عن المكان والحيز والجهة : وقالت « الكرامية » : انه مختص بجهة فوق . وهذا القول بحسب القسمة العقلية يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يقال : انه مماس للعرش . وثانيها : انه مباين للعرش ببعد متناه ، وأكثر طوائف « الكرامية » قائلون بأحد هذين القولين . وثالثها : أن يقال : انه تعالى مباين للعرش ببعد لا نهاية له . وهذا هو قول « الهيضمية » واعلم : أن هذا القول اما أن يكون نفيا لكونه تعالى في الجهة ، أو يكون قولا غير معقول . وذلك لأنه إذا كان العالم في أحد الجانبين ، وذات الباري تعالى في الجانب الآخر ، كان البعد بينهما محصورا . والقول بأن ما لا نهاية له محصور بين حاصرين ، لا يقوله من يفهم معاني هذه الألفاظ .